كامل مصطفى الشيبي
81
شرح ديوان الحلاج
وضحك يري الناس « أنه لم يؤلمه القطع وأن روحه ليس تحسّ بشيء من ذلك » « 1 » . وفوق هذا كله إنّما كان أنصار الحلّاج في خراسان يرفعون من قدره بوصفه زعيما سياسيا عظيما ، فخاطبوه بعبارة « رب لأرباب » « 2 » إجلالا له . كما كانت رعية الأفشين ( خيذر بن كاوس الصّغدي ، القائد التركي المشهور الذي صلبه المعتصم مع بابك الخرّمي ) ، يكاتبونه وأباه وجدّه من قبله « 3 » . من قولهم ، في ديباجة رسائلهم إليهم : « إلى إله الآلهة من عبيده . . . » « 4 » . وأوفى الحلّاج على الغاية لمّا قورن بالحسين بن علي بن أبي طالب أبي الشهداء في تضحيته وفدائه وبطولته « 5 » ومكانته ، لما ذكر أن صوفيّنا « لمّا وقع دمه على الأرض كتب : « اللّه اللّه » ، إشارة لتوحيده وإنما لم يكتب دم الحسين ذلك لأنه لا يحتاج إلى تبرئة » « 6 » . حتى إلقاء رماد جثة الحلّاج في دجلة اقترن بأسطورة أريد بها الرفع من شأنه وتبديد الوقع السيّىء الذي يرسب منه في النفوس . ولهذا ذكر المعجبون بالحلّاج أنه « لمّا ألقي رماده في دجلة ، ظهر على وجه الماء بدله عبارة : « أنا الحق » « 7 » . وانتهى الأمر أخيرا بأن عدّ الحلّاج ثالث ثلاثة أحبّهم قوم فكفروا بحبّهم وأبغضهم قوم فكفروا ببغضهم ، والاثنان الآخران : عيسى بن مريم وعلي بن
--> ( 1 ) البدء والتاريخ للمقدسي 6 / 117 . ( 2 ) انظر مثلا التبصير في الدين للأسفرايني ( أبي المظفر شاهفور بن طاهر الشافعي ، ت 471 ه / 1080 م ) ، مصر 1359 ه / 1940 م ، ص 78 . ( 3 ) شرح لامية العجم للصفدي ( أبي الضياء خليل بن أيبك بن عبد اللّه ، 696 - 764 ه / 1296 - 1362 م ) ، مصر 1305 ه / 1887 - 8 م ، 1 / 190 . ( 4 ) شرح لامية العجم للصفدي ( أبي الضياء خليل بن أيبك بن عبد اللّه ، 696 - 764 ه / 1296 - 1362 م ) ، مصر 1305 ه / 1887 - 8 م ، 1 / 190 . ( 5 ) انظر : تراجم القرنين ( السادس والسابع الهجريين ) لأبي شامة ( أبي محمد عبد الرحمن بن إسماعيل ، 599 - 665 ه / 1202 - 1267 م ) ، مصر 1366 ه / 1947 م ، ص 18 - 19 . ( 6 ) الكواكب الدرية لعبد الرؤوف المناوي 2 / 25 . وقد بولغ في ذلك بمصر سنة 596 ه / 1199 - 600 م . حتى فضل الحلّاج على الحسين السبط ، فما كان من شهاب الدين محمد الطوسي الذي توفي في هذه السنة ، إلا أن قال : « كيف يجوز هذا ؟ قطرة من دم الحسين أفضل من مائة ألف دم مثل دم الحلّاج . فلما قال السائل : قدم الحلّاج كتب على الأرض : اللّه ، ولا كذلك دم الحسين ، فقال الطوسي : المتهم يحتاج إلى تزكية » ( تراجم القرنين ، ص 18 - 19 ) . ( 7 ) تاريخ كزيدة لحمد اللّه المستوفي القزويني ، ص 776 .